في هذا الفصل، يفتح الكاتب الكيني نجوجي وا ثيونجو بوابة أسطورة أمهات جيكويو التسع بوصفهن أصل الحكاية والسلطة معًا، فتتحول الذاكرة الشعبية لسرد ملحمي يقاوم المحو ويعيد كتابة التاريخ من منظور أصحابه..
نجوجي وا ثيونجو، أو كما ينطق هو اسمه (جوجي)، ليس مجرد كاتب أفريقي مر في تاريخ الأدب، بل هو وشم على جسد اللغة، وصوت اختار أن يعاند الصمت المفروض على الذاكرة. ولد عام ١٩٣٨ في كينيا، وقت كانت البلاد تدار بلسان غير لسانها، وتروى حكاياتها بأصوات لا تشبهها. وهناك، في ظل الاستعمار البريطاني، تشكلت أسئلته الأولى: من يملك الحق في الحكي؟ وبأي لغة تقال الحقيقة؟
في البداية، كتب بالإنجليزية، وباسم غير اسمه، بلغة المدرسة والسلطة والمعرفة المعلبة. وبدت رواياته الأولى "مثل لا تبكِ يا ولدي" و"النهر الفاصل"،
محاولات للإمساك بالواقع من داخل قفصه. غير أنه سرعان ما أدرك أن اللغة ليست محايدة، وأن الكلمات تحمل تاريخًا من الإخضاع، وأن الكتابة بلغة المستعمر تبقي الروح معلقة في منطقة وسطى، لا تنتمي تمامًا إلى ذاتها. فاتخذ قراره، بأن يكتب بلغته الأم، الجيكيو، وكان كمن يعود إلى جسده بعد اغتراب طويل. لم يكن القرار أدبيًّا فحسب، بل أخلاقيًّا وسياسيًّا، وإعلانًا بأن التحرر يبدأ من الحنجرة. في كتابه الشهير "تصفية استعمار العقل"، لا يقدم تنظيرًا جافًا، بل شهادة كاتب أدرك أن الاستعمار الحقيقي يسكن المخيلة، وأن أخطر أشكاله هو ما يجعلنا نحلم بلغة غريبة
لكن السلطة لم تغفر له هذا الاختيار، فاعتقل عام ١٩٧٧ بسبب مسرحية كتبت بلغة الناس، واعتبرت كاشفة لهشاشتها.
في السجن كتب نجوجي روايته "الشيطان على الصليب" على ورق التواليت، كأن الكتابة نفسها فعل بقاء، والكلمة قادرة على النجاة في أكثر الأماكن ظلمة.
ومن السجن خرج إلى المنفى، لكن المنفى نفسه لم يخرجه من لغته ولا من قضيته. ظل يكتب، ويعلم، ويؤمن بأن الأدب ليس ترفًا، وأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وطنًا متنقلاً.
اختار نجوجي وا ثيونجو أن يعيد للكلمات جذورها، وأن يذكر العالم بأن الحكايات لا تتحرر إلا حين تروى بأصوات أصحابها، وبأن الأدب، حين يكون صادقًا، يصبح فعلاً من أفعال الحرية، وظل طول حياته حيًّا بسيطًا، محبًا للحياة، يتعلم العزف على البيانو في سنواته الأخيرة، حتى رحل منذ شهور في مايو ٢٠٢٥. والنص الذي ننشره هو فصل من رواية "التاسوع الكامل" التي صدرت نسختها العربية مؤخرًا عن دار "روايات".
التاسوع الكامل
ألتمس منكم القوة كي أروي بأمانة تلك الحكاية عن جيكويو ومومبي،
التاسوع الكامل في الطبعة العربية
وهي أيضًا حكاية بناتهما، التاسوع الكامل، وكيف انتشرت الأخبار عن جمالهن في أرجاء البسيطة كافة ودفعت الرجال لحمل الهراوات والسيوف لتصفية النزاعات حول الجميلات اللاتي لم تُبصر عين أبهى من جمالهن بعد.
حاول الحكماء العالمون بأحوال هذا العالم التدخل لإحلال السلام: ردوا سيوفكم يا معشر الشباب، فالفتاة الجميلة ستولد دائمًا.
إن الترفق بالفؤاد خير من الانقضاض بالسيف. فاكسبوا القلوب بصالح الأعمال، لا بالسيوف الذهبية.
التاسوع الكامل هن الأمهات الحاكمات لعشائر جيكويو ومومبي التسع.
وسأبدأ باستدعاء أسمائهن، واحدة تلو الأخرى: وانچيرو، ووامبوي، ووانچيكو، ووانجوي، ووايثايرا المدعوة أيضًا باسم وانجشي، وواشيرا، ونيامبورا المعروفة أيضًا باسم موايثاجا، ووايريمو، وووانجاري وتعرف أيضًا باسم وايثايايجيني، ومعهن وامويو، التي تكمل التسع ليصيروا التاسوع الكامل الأمهات الحاكمات للعشائر التسع ولكل عشيرة مناقبها التي نتتبع آثارها وصولاً إلى الأم الحاكمة.
وانچيرو، الأم الحاكمة لعشيرة آنچيرو
من بين التاسوع الكامل، هي أكبرهن. تقسم عشيرتها باسم نچيرو. يقال إنها ذات مرة ألقت لعنة على ضبع
لكنها ببساطة صبت لعنة على الجشع.
وجهها ينضح شفقة وطيبة، ولا تتزعزع حين تقاتل لأجل السلام، تقسم بعشيرتها حين تنادي بإنهاء النزاعات.. وحين يعرج عليها الزوار من أي مكان، تقول "لا تطرحوا أسئلة عن الجوع، فليأت الطعام أولاً".. جمالها يدفع الرجال للتصارع في سبيل السير إلى جوارها.
وامبوي، الأم الحاكمة لعشيرة مبوي
أيقولون إن وامبوي باعت ابنًا لها في وقت المجاعة؟
لا؛ بل أرسلته ليفتش عن الطعام لأجل الناس في زمن المجاعة وعاد حاملاً سلة ملآنة بالمأكولات، وبعدما شبع الناس، هتفوا "الولد يحسن صنيعًا مثل البنت،