كيف أطلق سرجيو ليوني الرصاص؟

من صحراء الويسترن إلى المدينة

كيف أطلق سرجيو ليوني الرصاص؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

في النهاية اختار ليوني نوعًا أمريكيًّا لمعظم أفلامه وكان ذلك كافيًا. لكن تناوله الجديد يشير إلى تطور في علاقته بأمريكا التي بدأت بالانبهار والتطلع!

يمكننا أن نقول إن سيرجيو ليوني ولِدَ بالفعل داخل مدينة السينما الإيطالية “شينيشيتا “، فهو ابن المخرج والممثل روبرتو روبرتي والممثلة بيس فاليريان، ولذا جاءت علاقته بالفن بديهية كما أشار في إحدى المقابلات. بدأ تلك العلاقة في مراهقته كمساعد ضمن فريق مساعدي الإخراج في عدد من الأفلام الإيطالية، من أشهرها “سارقو الدراجات” لفيتوريو دي سيكا، والأفلام الأمريكية المصورة في إيطاليا، التي غالبًا ما كانت ملاحم رومانية وتوراتية، من بينها “بن هور” لويليام وايلر؛ الذي ادعى ليوني أنّه أخرج مشهد سباق العجلات الحربية الشهير به.

في نهاية الخمسينيات بدأ كتابة السيناريوهات، ثم أكمل إخراج “آخر أيام بومبي”، وهو أحد أفلام الملاحم الرومانية بعد مرض مخرجه الأساسي، ثم أخرج ملحمته الخاصة “عملاق رودس”.
لكن العمل الثاني لليوني حقق نجاحًا ثوريًّا على أصعدة كثيرة، على الرغم من أنه غرَّمه تعويضًا كبيرًا لصالح واحد من أهم ملهميه هو أكيرا كيروساوا؛ إذ كان اقتباسًا غير شرعي عن فيلم “الحارس الخاص” للعملاق الياباني. وحقق فيلمه “من أجل حفنة دولارات” نجاحًا تجاريًّا غير مسبوق لأفلام السباجتي وسترن، وهي التسمية التي أُطلِقَت على أفلام

لم يخف ليوني ولعه بأفلام الوسترن الكلاسيكية، وما أخرجه جون فورد بشكل خاص..

 الوسترن التي صنعها مخرجون إيطاليون، ولم يتجاوزه في النجاح سوى الفيلمين التاليين المتممين لما صار يُعرف بـ “ثلاثية الدولارات” لليوني، وهما “من أجل مزيد من الدولارات”، و”الطيب والشرس والقبيح”. وإضافة إلى ما حققه من سبق سينمائي، فقد لفت ليوني انتباه صنَّاع السينما وجذب المشاهد الأمريكي، بل والعالمي، لتناوله للغرب الأمريكي برؤية جديدة، رؤية وثيقة بنشأة صاحبها وأفكاره وحرفيته مجتمعين.
لم يخف ليوني ولعه بأفلام الوسترن الكلاسيكية، وما أخرجه جون فورد خصوصًا في إحالته إليها في أعماله من جهة، كما نرى من علاقة بين مشهدي

النهاية في فيلمه “من أجل حفنة دولارات”، وفيلم فورد “عزيزتي كلمنتين” وخطوات كل من كلينت إيستوود وهنري فوندا، بالترتيب، مواجهين الكاميرا في لقطة كاملة من زاوية منخفضة. وفي مرحلة لاحقة مشهدي انتظار القطار في فيلمه “كان ياما كان في الغرب”، وفيلم “وسط الظهر” للمخرج فريد زينيمان؛ وهو أيضًا ما صرح به كثيرًا في حواراته ومقابلاته. وعن تعاونه مع ليوني في كتابة “كان ياما كان في الغرب” يحكي المخرج برناردو برتلوتشي أن ليوني كان أحيانا يسأله أسئلة تعكس ذلك الولع مثل “كيف كنت تطلق الرصاص من 

رسم كاريكاتيري لسرجيو ليوني..

رسم كاريكاتيري لسرجيو ليوني..

مسدسك وأنت طفل؟ هل كنت تفضل تناوب الطلقات واحدة تلو الأخرى من يمينك ويسارك؟ أم كنت تفضل مسدس واحد ويدك الأخرى فوق الإبرة؟“.
وكان يمثل ما يقول”. في نهاية المطاف، اختار ليوني نوع أمريكي لمعظم أفلامه وكان ذلك كافيًا. لكن تناوله الجديد يشير إلى تطور في علاقته بأمريكا التي بدأت بالانبهار والتطلع، أو كما وصفها المخرج بأنها كانت كالديانة، حتى قابل الأمريكان وجهًا لوجه، وكان ذلك على دبابتهم وسياراتهم الرباعية بعد سقوط النازي، فلم يظلوا أبطالًا، كما تخيلهم بل صاروا كباقي الجنود.. ماديين، حريصين على المتع والممتلكات. 

طالت شعبية الفكر اليساري ليوني وقتها، والتي كان لها صدى عند مخرجين إيطاليين عمالقة مثل مايكل أنجلو أنطونيوني ولوتشينو فيسكونتي وبيير باولو بازوليني؛ قد كان اليسار الفكر الأقوى والخيار شبه الوحيد في مواجهة الفاشية.
وانعكس ذلك في قراءة ليوني لعالم الويسترن وأفلام رعاة البقر، فكان يرى أن بناء تلك المجتمعات تم بعنف بدائي حاول إبرازه في أفلامه، بكل بساطته وقوته. خلت حكاياته، كما في “ثلاثية الدولارات”، من البطولية وأساطير الغرب الشريفة، وحلت محلها صراعات انتهازية يحكمها السلاح ومجتمع 

تتحقق العدالة فيه بشكل فردي، وشخصيات ليس من السهل إصدار أحكام مطلقة عليها.
كيف يمكن الحكم على كلينت إيستوود في “الطيب والشرس والقبيح” بأنه طيب؟ وعلى الرغم من التناول الاشتراكي المناهض للملكية والبحث عن الذهب، تخلى ليوني عن الواقعية وليدة تلك الأفكار واهتم بالسخرية، والتي يمكن ملاحظتها بوضوح على سبيل المثال في مبالغاته في تصوير القتل.
لغة جديدة
بجانب المحتوى، طور ليوني لغة سينمائية خاصة لما قدمه، كانت نقطة تحول لكثير من بعده. فأسلوبه حاضر

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح