كنت أعرف حينها أني لا أستطيع أن أثق في أي شخص، ولا أعرف كيف وصلت إلى هنا، ولكني أفقت وأنا لا أحمل بداخلي أي ثقة لأي شخص مهما بلغت درجة حبي له!
انكسر ضرسي اليوم في أثناء الإفطار، أخذته بإصبعي ووضعته أمامي على المفرش، لم يلاحظه أحد منهما، ظللت أنظر إلى القطعة البيضاء المدماة الرابضة أمامي بجانب طبق الأرز، وظننت أنها أيضًا تنظر إلَي، تحاول أن تحرك بداخلي شيئا ساكنا منذ زمن طويل، تنبهني أني أتداعى يومًا بعد يوم دون أن ألحظ ذلك، وأن الكلمات تظل بداخلي معلقة، تتخذ مسارًا أبديًّا داخل عقلي تدور فيه وراء بعضها البعض، صفوف طويلة من الكلمات غير المنطوقة، كلمات تشكلت بداخلي وعرفتها وحفظتها دون أن تشعر بملمس لساني وهو ينطقها.
علقت على الشاي وذهبت إلى مكتبي، يجب أن أتخذ قرارًا سريعًا، يجب أن أبدأ في العمل، لا ينبغي أن يستمر الوضع أكثر من ذلك، أمسكت بورقة وقلم وكتبت في منتصف الصفحة: “فيلم قصير”.
وأسفلها: “تأليف: عمر”.
وضعت الورقة أمامي وظللت أنظر إليها في زهو، كنت مختالاً بالفكرة، بالنتيجة، إنه الوهم مرة أخرى يضحك علي ويغمي عينَي بسحره؛ وهم أن تنجز وأنت لم تنه إلا بضعة مشاهد لا يربط بينها شيء.
المنور، كانت أصوات عراك الفئران الحادة والصاخبة، فتحت لهم الشباك كي يدخلوا من البرد، وأخذت كوب الشاي وخرجت، رجعت للمكتب مرة أخرى، عندما جلست على الكرسي شعرت بطعم الدم في فمي مكان الضرس المكسور، لعقته بلساني وبلعت ريقي، وشربت بضعة رشفات سريعة من الشاي.
فكرت في الماضي الذي صار بعيدًا، وفي المحاولات السابقة التي أنجزتها على مدار أربعة سنوات تقريبًا، تجارب سطحية ومشاهد سخيفة وحوارات لا توصل إلى شيء.
أمسكت الورقة مرة أخرى، شطبت على
اسمي ثم على فيلم قصير، ورسمت خطا ينصف الصفحة وبدأت الكتابة.
أفقت من حمى الكتابة حين وصلت السطر الخامس دون أن أشعر، وجدت أني أكتب عن نفسي، كلمات كثيرة تتراص بجانب بعضها مكونة نصا في نصف صفحة لا يتكلم إلا عن الثقة في الناس في محاولة –لا أدري إن كانت جادة- لمعرفة كيف يثق الإنسان في إنسان آخر.
فقدتها مع ما فقدته على مدار سنوات عمري أم هي أصلا لم تكن موجودة في داخلي منذ صغري.
أمسكت بالورقة مرة أخرى وقرأت ملاحظاتي حول الفكرة التي كنت أود الكتابة عنها، عنونت الصفحة بعنوان مؤقت:
“كيف تصنع فيلمًا مستقلاً بشقة فاضية”.
ثم شطبت على “فاضية” واستبدلتها بـ”فارغة”، هكذا أفضل، لنبدأ الكتابة الآن.
تحمل فكرة ما، كل ما كنت أحاول أن أفعله في أثناء التفكير في أي مشهد أن يتضمن فكرة ما، يتضمن شيء يمكن أن يقال حينما يحاول المشاهد فهم الفيلم، كنت أحمل نفسي زيادة عن اللازم، وأضغطها وأدفعني في الاتجاه الخاطئ، الاتجاه الذي يمكن أن ينقلب رأسًا على عقب وينتج عملاً عقيمًا باردًا لا يحرك في المشاهد شيئًا.
احتياجات المنزل وحتى في فرن العيش. لم أكن راضيًّا عن النتيجة النهائية للمشاهد، فنزعت عن القصة ثوبها الذي لا ينتمي لي، كل المشاهد التي كتبتها تقليدًا لأفلامي المفضلة أو تأثرًا بها، بدأت كتابة جديدة مرة أخرى. وزنقت شخصيتي الرئيسية –التي هي شخصيتي بالطبع- وحدها في شقة فارغة تدور فيها الأحداث.