المدهش في «أوندينه» أن الحديث عن تاريخ ومعمار المدينة ليس فقط غير ممل، وليس فقط جزءًا (رمزيًّا) مهمًا من موضوع الفيلم!
في أحد المشاهد التي تتوسط فيلم “أوندينه” Undine (إخراج كريستيان بيتزولد، ألمانيا، 2020) يجتمع العاشقان أوندينه ( باولا بير) وكريستوف (فرانتز روجوفسكي) داخل شقة صغيرة تطل على وسط برلين، يهمان بتبادل الحب، ثم تقوم أوندينه، بناء على طلب كريستوف، بتلاوة بعض المعلومات التاريخية التي حفظتها من كتاب سياحي عن برلين، تدور حول التحولات المعمارية التي شهدتها المدينة، ويستغرق هذا الشرح المفصل عدة دقائق، فيما يبدو أنه وقت ضائع لا علاقة له بموضوع ودراما الفيلم. ولكن ماذا لو افترضنا العكس: أن بطل فيلم
أوندينة ويوهانيس..
“أوندينه” الحقيقي هو مدينة برلين وتاريخها، وأن قصة الحب ليست سوى خلفية للتاريخ؟
قصة حب.. أم خريطة سياحية؟
قبل تحليل المشهد السابق ودوره في الفيلم لنعد قليلاً إلى الوراء: في المشهد الأول من “أوندينه” يخبرها حبيبها السابق يوهانيس (ياكوب ماتشينز) أنه على علاقة بامرأة أخرى. يبدو عليها الجزع، واليأس. تتمالك نفسها وتخبره بهدوء: سأذهب للعمل وأعود بعد نصف ساعة، سأجدك هنا، لتخبرني أنك تحبني، وإلا، أنت تعلم، سيتعين عليَّ أن أقتلك! الرقة والهشاشة التي تتحول في لحظة إلى قوة مطلقة وبرود وهي تهدد
حبيبها بالقتل تضعنا على الفور أمام غرابة أوندينه، الشخصية، والممثلة التي تؤديها، والفيلم. تترك أوندينه حبيبها المتوتر وتهرع إلى مبنى قريب، متحف مخصص لتاريخ ومعمار مدينة برلين يحتوي على مجسمات تفصيلية لكل شارع ومبنى في المدينة، ترتدي زي العمل كمرشدة سياحية وتشرع في شرح المجسمات لمجموعة من الزائرين. المعلومات التاريخية التي ترددها أوندينه تبدو منزوعة الصلة بقصة الحب التي نشهد نهايتها، وبقصة الحب التي تولد بعدها. فوق كل شىء، ما العلاقة بين امرأة تفقد حبيبًا ثم تعثر على آخر بتاريخ مدينة مثل برلين،
يد على جدار.. من الفيلم
ترتبط في الأذهان بالحرب العالمية الثانية وهتلر، وتدميرها وغزوها على أيدي السوفيت والأمريكيين، وانشطارها إلى نصفين، كل نصف منها في دولة، واحدة شرقية شيوعية، والثانية غربية رأسمالية، يفصل بينهما سور حجري يتوسط المدينة اعتبر لعقود خطًّا فاصلاً بين الكتلتين المتصارعتين في العالم، ومسرحًا لعمليات الحرب الباردة ورجال المخابرات من كل الجنسيات؟
المدهش في “أوندينه” أن الحديث عن تاريخ ومعمار المدينة ليس فقط غير ممل، وليس فقط جزءًا (رمزيًّا) مهمًا من موضوع الفيلم، لكنه أيضًا يعامل باعتباره حدثًا دراميًّا، وحسيًّا فيما
يتعلق بعلاقة الحب التي تربط كريستوف بأوندينه، كما نرى في المشهد الذي يجمع أوندينه وكريستوف داخل شقتها الصغيرة المطلة على وسط برلين. قبل دقائق من هذا المشهد كانت أوندينه وحدها في الشقة، تحاول حفظ الفقرات التي يتعين عليها تلاوتها على زوار المتحف في الصباح التالي.
تبدو وحيدة وحزينة أمام الشرفة المطلة على المدينة. يصل كريستوف ويتصل بها من البوابة، يصعد إليها وتلتقيه أمام باب الشقة، تتهلل أساريرها لرؤيته، تحتضنه وتسحبه للداخل. بعد قليل نرى كريستوف نائمًا، يستيقظ على صوتها وهي تحفظ دروسها. ينتقل إليها،
وحيدة وحزينة تطل على المدينة!
ويعودان إلى الفراش، يضحكان، ويهمان بمواصلة ممارسة الحب. لكن كريستوف يستوقفها ويقترح عليها شيئًا آخر: أن تتلو عليه فقراتها عن تاريخ المدينة. تندهش.
يخبرها أنه يحب الاستماع إلى صوتها وهي تتحدث عن تاريخ ومباني المدينة. تبتسم مرتبكة، وتبدأ في تلاوة ما تحفظه، وهو يحملق فيها مأسورًا، منتشيًا، مثل من يحملق في امرأة تتعرى، أو راقصة في فيلم مصري.
مشهد إيروتيكي غريب، ولكنه طبيعي ومقنع وجميل هنا!
كنت قد راهنت نفسي أن المشهد يقع في منتصف الفيلم بالضبط، وبالفعل