لماذا تفشل الدولة المستبدة في انهاء حالة خروج المواطنين على قواعد القانون؟ ؟لماذا اختفي الاهتمام بالقانون كفسلفة وفكرة وحل محلها القانون كأداة عقاب و تجريم؟ وكيف كان تأثير سيطرة المغرمين بالنصوص ؟
تشير نظرة طائر على الحياة اليومية العربية إلى تمدد الفوضى في المدن والأرياف والبوادي، حيث ارتفاع معدلات الانفجار السكاني، والزيادات المستمرة للسيارات العامة، والخاصة. ويثور السؤال الذي يتردد دائمًا دون توقف: أين القانون الذي ينظم علاقة "المواطن"، بالقانون؟
لا يحتاج المرء كثيرًا من العناء لاكتشاف خروج "المواطن" -خصوصًا في دول العسر- على قواعد القانون أيًّا كان مجال تنظيمه للعلاقات بين المواطنين بعضهم بعضًا، وبينهم وبين الدولة وأجهزتها والموظفين العموميين، وهيمنة قانون الفساد والرشوة واختلاس المال
العام والاستيلاء عليه، والسرقات، وجرائم القتل والضرب، والسب والقذف… إلخ.
نظرات الطائر في أغلب مجالات الحياة اليومية العربية تشير إلى صدمة الفوضى، في مواجهة النظام القانوني، وتحولها إلى "نظام"، يتم التعامل من خلاله في العلاقات الاجتماعية، ومع أجهزة الدولة، وفق قواعده!
من هنا تنفجر الأسئلة دائمًا؛ لماذا لم يعد ثمة اهتمام بالقانون كفلسفة، وكفكرة مركزية في تنظيم الدولة وسلطاتها وأجهزتها، وأيضًا علاقاتها بالمجتمع وطبقاته الاجتماعية المختلفة؟
لماذا لا يهتم الفكر القانوني والسياسي
بمسألة الدولة والقانون والحرية والفوضى في عالمنا العربي حال استقرار، وقوة النظام السياسي الاستبدادي التسلطي، كما كان في العراق وسوريا البعثيان وما بعدهما، وفي ليبيا القذافي، وأغلب البلدان العربية على تباينات نظمها السياسية، وواقعها الاجتماعي الانقسامي؟
لماذا لا تؤدي قوة الدولة الاستبدادية والتسلطية الغشوم إلى إنتاج حالة الردع العام والخاص للقوانين لدى المخاطبين بأحكامها؟
لماذا يقارن المثقفون، وغيرهم من المتعلمين بين سيادة القانون في المجتمعات الأكثر تقدمًا في شمال العالم،
وبين الفوضى، واللا نظام في حياتنا اليومية العربية؟
المقارنات بين وضعية القانون، واحترام المواطنين لقواعده في المجتمعات الغربية المتقدمة، مختلفة تمامًا عن الحالات العربية وثقافة الفوضى المسيطرة، ومرجع ذلك أن الأنظمة القانونية -اللاتينية، والأنجلوساكسونية، والألمانية الجرمانية- وعلى الرغم من جذورها التاريخية في القانون الروماني والثقافة اليهودية المسيحية، فهي أهم إبداعات العقل الفلسفي والقانوني والسياسي الحداثي الأوروبي والأمريكي، ومن ثَم كان القانون تعبيرًا عن الحداثة والتحديث، وعن تطورات النظام
الاجتماعي، والسياسي، والثقافة المدنية والرأسمالية، وهي تجارب تاريخية بالغة الصعوبة والتعقيد حتى الرأسمالية
النيوليبرالية.
لهذا كانت هذه التجارب، وليدة صراعات طبقية ضارية من الإقطاع إلى البورجوازية، والرأسمالية، وتشكل البنى الطبقية، والأحزاب السياسية، والنقابات والمجتمع المدني، والفردانية، والفرد، والحريات الشخصية، والعامة، وهى تشكلات كان وراءها صراعات، وكفاح من الطبقات الوسطى والعمالية والفلاحية، والمواطنين، والأحزاب والجماعات، ولا تزال، وهكذا لم تسقط القوانين نسبيًّا من أعلى السلطة على
المواطنين، بل كانت جزءًا من السعي لتحقيق مصالح كل طبقة أو فئة اجتماعية لمصالحها عبر ممثليها من الأحزاب السياسية والجماعات النقابية والمهنية، في ظل مجتمعات شهدت ثورات كبرى، وأيضًا مسألة الحرية كجزء من الثقافة السياسية والقانونية، وتنظيمها على نحو يؤدي إلى ضمانات لتحقيقها في الواقع الموضوعي، ومشكلاته.
جاءت القوانين الحديثة في عالمنا العربي، قبل الاستقلال وبعده، من المرجعيات الأوروبية، والدول التي استعمرت بلداننا -فرنسا وبريطانيا وإيطاليا- وهي قوانين ولدت من أرحام الليبرالية
الغربية، والعلمانية، والتمايز بين القوانين، والأديان وما تتفرع عنه من أخلاقيات وقيم دينية المصدر، ومن حركة الطبقات الاجتماعية، نحو صون الحريات، والمصالح الاجتماعية في ظل الطبقة المسيطرة الرأسمالية -وأذرعها وتأثيراتها الحزبية والمصرفية والشركات- ودفاعها عن مصالحها، وتبني مصالح القوى الاجتماعية الأخرى لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وأيضًا الوعي القانوني لدى الأفراد بأهميته في تنظيم الحريات، وفي حمايتها، وتحقيق الاستقرار، والأمن المجتمعي.
في مجتمعاتنا العربية، لم تكن البنيات الاجتماعية متبلورة كطبقات لأنها