كيف تصير مدينة ما جمالاً قادرًا على أن ينزع الغضب من العالم؟ أهو البحر أم الشوارع القديمة أم ماكوندو؟ أم الشعور بالحرية!
كنت في صغري دائما أعدُّ الصداقة رفيقة المشي. أصدقائي المقرّبون هم أولئك الذين أقضي معهم ساعات وساعات نمشي دون وجهةٍ يحكي كل منا للآخر حكايته، وكأن الحكاية لا تتمّ بل لا تبدأ إلا مشيًا. كذلك علاقتي مع المدن.
لا زلت أذكر أول يوم وصلت فيه مطار مدريد بحقيبة انكسرت عجلاتها في الطائرة، تحت شمس الظهيرة، أجرُّ ثقلها ورائي في شوارع العاصمة الأوروبية الأولى التي عرفتها، في الطريق إلى «باب الشمس» حيث كان ينتظرني صديقي المصري ليأخذني إلى بيته.
أظن أن علاقتي السيئة بمدريد تعود إلى المرات العديدة التي مشيت فيها يائسًا مثلاً بحقيبتي لا أعرف ماذا أفعل!
ناصية شارع العزلة حيث نزل الحي؛ أول مساكني في المدينة القديمة
أذكر كذلك أول يومٍ أمشي فيه في شوارع سلمنكا تحت المطر بخريطتي الورقية المبتلّة وصوت الشاب الجزائري يلمس كتفي ويسألني: عربي؟
كنت لا أعدُّ نفسي صديقًا مقرَّبًا لأحد من مجموعة أصدقائي إن لم نكن مشينا معًا وحدنا. كذلك المدن، علاقتي بكل مدينة تبنى على ليالي المشي وأنهر الجري والهرولة وصباحات السعي.
تبدأ علاقة الإنسان ببعض الأشياء والأشخاص والأماكن قبل اللقاء الأول، كما تبدأ أحيانًا بأول لقاء، وأحيانًا أخرى لا تبدأ إلا بعده أو لا تبدأ أبدًا وإن تكرّر اللقاء.
سمعت عن كارتاخينا دي إيندياس طوال شهوري الأولى في إقامتي في
كولومبيا حيث كنت أعيش في مدينة صغيرة على بعد نحو أربع ساعات من الميناء الكبير.
لم آتِ لزيارتها رغم حديث الجميع عنها لسببين أحجماني.
الأول ذكر الجميع الغلاء والمبالغة في أسعار كل شيء دائما مقارنًا بذكر كارتاخينا، والثاني حديثهم عن ازدحامها الشديد بالسيّاح طول العام، فهي واحدة من أكبر المدن السياحيّة في كولومبيا.
جعل ذلك زيارتي لها تتأخر لبعد مرور أكثر من عام في كولومبيا، قضيت نصفه تقريبًا في حجرٍ كاملٍ فرض إجباريًّا على كل مدن البلد. قضيت ثلاثة أشهر في بيت بقرية صغيرة مطلًا على البحر، ثم
شارع يفضي إلى البحر، كارتاخينا دي إيندياس، سبتمبر 2020
عدت إلى مدينتي الصغيرة «سينسيليخو»..
وقضيت ثلاثة أشهر أخرى أمشي في شوارع تشبه المقابر بعد السادسة مساء، بعد أن رحل كل أصدقائي إلى بلادهم، ولم يبق ممن أعرف سوى القليلين.
بعد ستة أشهر دون الخروج من هذا الطريق الذي قطعته مرارًا بين المدينة الصغيرة وبيت الشاطئ، قررت الحكومة أخيرًا أن تسمح بالتنقل بين المدن ببداية شهر سبتمبر.
كنت كأنني سجين فاضت به زنزانته فألصق جسده بالباب حتى يكون أول الأحرار الراكضين حين يفتح الباب. لم أنتظر أن تبدأ شركة الأوتوبيس
«برازيليا» رحلاتها بين المدن بعد يوم أو يومين واستقللت سيارة خاصةً مع مسافرين آخرين كانوا معي منتظرين خلف الباب يريدون الخروج.
لم أعرف ماذا سأفعل في المدينة الجديدة – وهو ما تعنيه كلمة «قرطاج» المدينة التونسية التي كانت أصل تسمية المدينة الإسبانية والتي ورّثت بدورها الاسم للميناء الكولومبي -.
في الطريق كتبتُ إلى جون خايرو خونييليس، صديقي الكاتب الكولومبي الذي نشأ وعاش في كارتاخينا قبل أن ينتقل للعيش في العاصمة بوجوتا، وأرسل إليّ أرقام بعض أصدقائه هناك. في الطريق تذكّرت أنني قابلت منذ شهور فتاة جاءت لإلقاء بعض