لا أشعر في لوحات علي عاشور أنه محاصر بالغضب، بل أشعر أنه يلعب، ليقدم في تلك المساحة الصغيرة أزمانًا متباينة وشخوصًا لها روح ومغامرات مختلفة.
غادر علي عاشور مقعده فجأة، بعد أن سألته عن شعوره “بالاضطهاد”، وكانت إجابته بكلام الواثق من رحلته، الفخور بها، ثم تغيَّر صوته قليلاً، وتوقف عن الكلام.
كانت لحظة درامية؛ صحيح أننا أكملنا الحوار بعدها، لكنها وضعت الحوار كله في مكان مختلف. علي عاشور قليل الكلام، مع أن كل لوحة من لوحاته تكشف عن عالم آخر بعيد عن الصمت..
عن المكان الخاص الذي لا نراه داخل أنفسنا جميعًا، ويستطيع الفنان أن يعريه، لا ليشكو أو يتألم أو يغضب معلنًا الرفض، بل ليتحول هذا المكان إلى قطعة مرئية حية يتغير بها الواقع الذي
علي عاشور ووائل عبد الفتاح في مدينة
نراه.
الغضب والألم وحتى الكآبة التي يمكن وصفها بتعبيرات نفسية واجتماعية محدودة، تتحول بالفن إلى “كائنات” من عالم ممتد زمنيًّا بامتداد رحلة التجربة الإنسانية. وهذا هو الفرق بين مشاعر الفنان حين ينتهي من اللوحة، وبين انفلات هذا العالم السري الخاص به في كلام عادي؛ كأنه نوع من التعري غير الفني.
هذا الفرق في التأثير بين اللوحة والكلام المرسل في حوار، أكد لي أن كل محاولات تسمية الفن الذي نراه في الأعمال الفنية، بالمسميات المعتمدة مثل “الفن التشكيلي” أو حتى “الفنون الجميلة” هي محاولات قاصرة لفهم تأثير أو
وجود الفن في حياتنا.
لا أشعر في لوحات علي عاشور أنه محاصر بالغضب، بل أشعر أنه يلعب، ليقدم في تلك المساحة الصغيرة وعبر اكتشافاته في سطحها الهاديء، أزمانًا متباينة وشخوصًا لها روح ومغامرات بشرية مختلفة.
اللوحات لا تجعل العالم أجمل، لكنها بالكشف عما يدور في العالم غير المرئي للفنان، تسهم في إضافة نوع خاص من الجمال، يضيء الجوانب التي نهرب إليها من الحياة اليومية، الجرداء، التي نستهلك فيها الزمن مثلما نلتهم السندوتشات السريعة.
في عزلته؛ وبين حدود مرسمه، يتحرر الفنان من كل ما يدفعنا لنكون ضحايا
علي عاشور
نشكو بؤس العالم..
هذه الحرية تصل عبر الحفر في السطح إلى عمق ما يختبيء في أنفسنا الغاضبة. وهذا ما حاولت الدوران حوله في حواري مع علي عاشور.
لنكتشف كيف يتجاور الحب والخسارة..
كيف نصارع السلطة لنصل إلى السلطنة، ونضع الرعب في مواجهة المتعة..
لندخل في التجربة ونرى!
1. أساطير وكاريكاتير
-متى دخلت مجال الفن التشكيلي.. خصوصًا وكان ذاك الوقت وقت معارك بين المدارس والاتجاهات الفنية.. كيف كان المناخ؟
علي عاشور: أنا أرسم منذ صغري.. يبدو أنه كان هناك من يرسم في الأسرة فالتقطت العدوى.. أنا من بيت متواضع لا علاقة له بالفن، كان أهلي طيبون وأخلاقيون ومحبون للحياة، لكن لا علاقة لهم بالفن؛ يعني منذ اللحظة الأولى كنت أسبح ضد التيار.
-من أي منطقة في الإسكندرية؟
علي عاشور: لا أزال أذكر اسم الحارة؛ حارة تماضر في منطقة راغب باشا في الإسكندرية.. ولا أزال أكن لها المحبة،