كيف حولت أفلام داود عبد السيد اليوميات الهامشية إلى أسئلة كبرى عن السلطة والمعنى والحياة؟ وهل هي واقعية أم حلم؟ أرضية أم روحانية؟ ولماذا تبدو مألوفة وغريبة في الوقت نفسه؟
من يكتبون عن السينما أو من يشاهدونها يصفون سينما المخرج داود عبد السيد بالعديد من الأوصاف وعكسها، هي سينما روحانية وأرضية، جماهيرية وفنية، فردية وجماعية. تتحمل أفلامه كل تلك التعقيدات التي يصعب التعبير عنها لغويًّا، فهي عن الناس في مصر بشتى طبقاتهم وأوضاعهم الاجتماعية لكنها مع ذلك ليست أفلام تقليدية أو جماهيرية، ويصعب حتى وضعها داخل أطر نوعية ثابتة، كما يصعب جمعها كلها تحت أوصاف متوائمة.
ارتبط اسمه بالموجة الواقعية الجديدة، أو بجيلها، لكن أفلامه لم تنتم لها
بالكامل، لم تحمل همًّا سياسيًّا أو طبقيًّا مباشرًا، أو سمات خطابية واضحة بل طفت فوق كل ذلك، في حكايات تحمل رغم أرضيتها الشديدة طابعًا سحريًّا يصعب وصفه، تستنطق الشعر من الحياة اليومية.
رحل داود عبد السيد في الأيام الأخيرة من عام ٢٠٢٥ وهو الذي وُجد بأفلامه في مساحة بين الأرض والسماء، تاركًا وراءه تساؤلات حول شكل السينما ومضمونها وحول المناخ السينمائي الحالي في مصر، لكن الأهم أن رحيله استدعى أفلامه إلى السطح من جديد لنتأمل سيولتها وغرابتها، التي أصبحت بشكل معجز شديدة الألفة.
أخرج داود عبد السيد في مسيرته تسعة أفلام روائية طويلة تتنوع من حيث الصيغة والشكل، تحمل سمات مشتركة لكنها دائمًا ما تتجدد، غالبًا ما تتصف شخصياته الرئيسية "بالعادية" بأنهم أو أنهن هامشيون في العالم، تضخم رحلاتهم القصيرة على الأرض ليصبحوا داخل سياقات أفلامه أبطال غير متوقعين ليوم واحد أو لحياة بأكملها، كل منهم يبدو محملاً بنبوءة ما، يصعب تحديد صدقها من عدمه، بداية من يوسف في "البحث عن سيد مرزوق" الذي يستأصل من عادية حياته إلى حياة فوقية، حتى يحي المنقبادي الذي يمكن تحميله بكل الإسقاطات
المجازية الدينيةوالسياسية الممكنة، فهو يسقط من الجنة ويتورط في حياة سفلية. يمكن النظر إلى أفلام داود عبد السيد باعتبارها أفلامًا عن الأرض كمكان يستضيف الإنسان في أثناء حياته القصيرة، وطبيعة الحياة نفسها بمعناها المجرد، وعلى هذه الأرض إمكانيات لأحداث لانهائية وأراض أخرى اعتبارية. تحمل عناوين اثنين من أفلام داود عبد السيد كلمة أرض ( أرض الخوف وأرض الأحلام)، وبينهم أراض أخرى بمسميات مختلفة، تمثل الأرض مساحة لاختبار الحياة ونقطة انطلاق تبدأ من الواقع وتنتقل إلى ما يمكن وصفه بعالم آخر مواز، يحفز على دخوله نداء للمغامرة
الشيخ حسني الأعمى الذي قاد الشخصيات لتصنع من "الكيت كات" عالماً سحرياً
كما يسميه چوزيف كامبل كأحد خطوات رحلة البطل الأسطوري، على الرغم من النزعة الأسطورية وروح الأمثولة الدينية تظل أفلام داود عبد السيد عن مناطق أرضية محددة جدًا، تحدث داخل مصر، بسمات ليست عامة أو كونية، أفلام لا تتجاوز الطبقة أو صراعات السلطة من أجل الوصول للمجاز بل تنغمس داخل تلك العناصر تمامًا لتصبح في مساحة بين تناول الواقع الاجتماعي والتجريب فى السينما الشعرية.
في أفلام داود تصبح الأرض بمعناها الواسع والرمزيات المرتبطة بها هي الدويقة بالمقطم في فيلم "سارق الفرح"
أو حي من أحياء الكيت كات في فيلم "الكيت كات"، أو المنشية في الإسكندرية في فيلم "رسايل البحر"، فتتحول الحالة الروحانية المجردة إلى حالة خاصة جدًا ترتبط بأمكنة وأزمنة محلية تتحرك داخلها شخصيات يمكن ترميزها، ويمكن نزع الترميز عنها واعتبارها أفرادًا يمكن تصور وجودهم في الحياة العادية، أنبياء وصعاليك، حياتهم أكبر من محدودية العالم، لكنها في الوقت نفسه شديدة الضآلة والهامشية، فلا تكاد ترى، ولا تميزها ميزات محددة غير كونها هي.
يخلق داود عبد السيد عوالم سينمائية مادية لحكايات تكاد تكون خيالية، وشخصيات تبدو مختارة في عوالمها
الداخلية، لكنه لا يبدأ من تلك المساحة السائلة المكتظة بالتساؤلات الوجودية والروح الحلمية، بل بدأ من مساحة أرضية تمامًا.في فيلم "الصعاليك"، ١٩٨٥، لم تحلق فوق الصعلوكَين مرسي (نور الشريف) وصلاح (محمود عبد العزيز) قوة روحية تنبؤهما باختيار ما، بل تعامل الفيلم معهما باعتبارهما شخصيتين وسط الجموع، كل منهم يمثل ناتجًا لسياسات الانفتاح الاقتصادي. القوة العليا في "الصعاليك" هي خيارات اقتصادية تفرض من الأعلى وتغير شكل الحياة والمستقبل.
كان نقد الانفتاح الاقتصادي أو رصده نقطة محورية رئيسية في أفلام فترة