لماذا لا ننسى حجازي؟

الرسام الهارب الذي يقيم في قلب المدينة

لماذا لا ننسى حجازي؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

نستعيد سيرة رسام اختار العزلة، وظل شاهدًا على أحلام مجهضة وأسئلة لم تجد إجابة حتى اليوم. فلماذا لا ننسى حجازي؛ هل لأن رسومه ما تزال تكشف قبح عالم لم يتغير، أم لأن شخصياته تحمل سجونها في أجسادها؟

"لا شيء مما عرفناه سيبقى، وهذا سعيد ومرعب جدًا" كتبت هذه العبارة مرتين على صفحتي في فيسبوك. بعد المرة الثانية فوجئت بلوحة تحمل توقيع حجازي تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي، كأنها تذكرة من تراث النبي داوود، تستخدم في الأمراض المستعصية، أو شفرة ساحر مغربي تظهر كلما أطلت آلهة الشر. الأسطورة تحضر دائمًا مع الواقعية البائسة. لا شيء تغير، لا يزال العالم على درجة القبح التي نشعر فيها بالقشعريرة الشديدة عندما ننظر إلى لوحة حجازي.
بالونات الأطفال تتحول إلى ثقل يربط

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

انتشرت هذه اللوحة في أسبوع ذكرى حجازي، وعرضت ضمن معرض احتفالي بفنان الكاريكاتير الإسباني خوان سنتيس الذي جاء إلى مصر بدعوة من الأمير يوسف كمال، وعمل منذ ١٩٢١ في مجلات الكشكول والفكاهة والإثنين.

بسيقان السجناء. ومع أنها طريقة غير معروفة تقريبًا في السجون المصرية، فإن حجازي جعلها رمزًا للسجن، إنها الكرة الحديدية التي تثقل حركتك، وتمنعك من الحركة، وتضعك دائمًا رهن من يملك تعليقها في ساقيك كيلا تتقدم خطوة دون إرادته. السجن في اللوحة للجميع؛ للأطفال والشيوخ ورجال الأعمال والفقراء والذاهبين إلى المطاعم الفخمة؛ أو الملتصقة أجسادهم بعربات الفول. السجن ليس مجرد مبنى؛ بل بلد كامل يسير الناس فيها وهم ويتحركون ويرتدون ملابسهم؛ كل منهم يحمل سجنه في جسده. الجميع بلا استثناء رهن اعتقال يعيش وسجنه في جسده،

ويتآلف مع مجتمع من سجناء يحصلون على تريضهم وطفولتهم وثرواتهم بإذن صاحب السجن.
هذا ما جعل حجازي ومن عالمه الآخر، يلمس الأوتار العارية وتتحول لوحته إلى "أيقونة مطلقة ضد القهر"..
هل كان حجازي سيحب ذلك؟ بمعنى هل كان سيحب افتتان الناس بقدرة لوحته على التعبير، لأنهم بؤساء ومقهورون حتى الآن؟
حجازي هو: أحمد إبراهيم حجازي في الأوراق الرسمية. وهو "حجازي الرسام" كما يعرفه قراء الصحف والمثقفون ومحترفو السياسة.
رسومه موجودة الآن في كل الصحف

التي تبحث عن "تاتش" معارضة للحكومة؛ مع أنه اعتزل رسم
الكاريكاتير قبل رحيله بما يقرب ١٠ سنوات.
وكان خبر اعتزاله "حدثًا سياسيًّا" باعتباره شارة احتجاج من رسام ظل لأكثر من ٢٠ سنة يرسم النكتة السياسية في أشهر مجلات القاهرة "روز اليوسف" و"صباح الخير"، وواحدًا من مدرسة صحفية كاملة أنشأتها ممثلة مسرح شهيرة (فاطمة اليوسف)، ومعها صحفي لامع (محمد التابعي) واعتمدت الرسم أسلوبًا صحفيًّا يؤكد طابع "المشاغبة" ويمنح للخيال مساحة خارج حدود ما تقوله البيانات المكتوبة، وما تقدمه

عندما مات حجازي تلاحقت أمامي الصور؛ ملامحه، ونظرته، وشخصياته المرسومة بعناية رسام يستعير من الطفولة ارتباكها وعنادها

الصور الفوتوغرافية ميتًا حتى يصبح وثيقة.
الحكايات عن حجازي نادرة، تنغمس دائما في المطلق، مع أنه، وكما رأيته شخص نسبى، ووقتي، وابن لحظته التي يجعلها خالدة، بإضافات من شخصيته وطاقته الداخلية.
لكنه لم يقع في فخ "صناعة الخلود" من فن عابر أساسًا. لم يحتفظ برسومه، ولا بالبيت الذي تزوج فيه، ولا بالبيت الذي عاش فيه وحيدًا يستقبل الأصدقاء في "يوم مفتوح" واحد.
تحرر من كل شيء مكتفيًا بالبصمات والعلامات التي يتركها على حائط الزمن مثل إنسان الكهوف.

1
عندما مات حجازي في أكتوبر ٢٠٢٢، تلاحقت أمامي الصور؛ ملامحه التي توحي بأنها ستختفي بعد النظر إليها، ونظرته المسافرة إلى مكان تراه لكن عينًا تخترقه إلى مكان غائر، وشخصياته المرسومة بعناية رسام يستعير من الطفولة ارتباكها وعنادها معًا.
هذه الصور كانت تحضر بشكل دراماتيكي مجرد لكن بلا صوت.
أين ذهب صوت حجازي؟ كلماته؟ نبرته؟ أعرف أن الذاكرة خائنة، لكن لماذا هرب الصوت وحده؟
2

اختار حجازي العزلة وسط الناس. لم

اقرأ أيضاً

تذكرة عودة لديربي القاهرة

تذكرة عودة لديربي القاهرة

بوعلام دحماني الشهير بتوني جاتليف

بوعلام دحماني الشهير بتوني جاتليف

لماذا لا نعرف منيرة ثابت؟

لماذا لا نعرف منيرة ثابت؟

الرجل الذي ترك الشوارع وحيدة

الرجل الذي ترك الشوارع وحيدة

هاني شكر الله: الخروج من المخزن

هاني شكر الله: الخروج من المخزن

هاني شكر الله: صانع الفجوات

هاني شكر الله: صانع الفجوات