كيف بدت القاهرة في نوفمبر ١٩٩٨، حين كان الديربي أكثر من مباراة، والاستاد عالمًا من الهتافات والوعود؟ ماذا حدث حين تحول هتاف الجماهير من أمنية لحقيقة؟ وهل تكفي مباراة لاستعادة مدينة كاملة من الذاكرة؟
فتحت عينيَ على ملصق أحمر جذاب، لصقه عمي الأصغر بعناية على باب بيت العائلة بحي الكيت كات، حمل الملصق جملة واحدة كتبت بخط ذهبي "الأهلي يا ناس… بطل الدوري والكأس موسم ١٩٨٤-١٩٨٥".
ربما كانت تلك الكلمات المعدودة سببًا في إجادتي مهارة القراءة، فقد تهجأتها مرات لا حصر لها، كما باتت إشارة مبكرة لما صرت إليه كأهلاوي بالوراثة.
في صباي المبكر الذي وافق نهايات عقد الثمانينيات، دخلت الاستاد للمرة الأولى بصحبة أبي لمشاهدة إحدى مباريات الأهلي.
لا أكاد أتذكر شيئًا عن تلك المباراة،.
كانت هذه اللوحة أحد أسباب تعلمي القراءة
الانبهار بالاستاد هو فقط ما أتذكره.
شيد الاستاد في أواخر الخمسينيات في ذروة صعود دولة يوليو، على يد المعماري الألماني فيرنر مارس. لم يضف فيرنر جديدًا يذكر على رسوماته الخاصة بالملعب الأوليمبي في برلين، فانتهى الأمر بالاستاد الذي عرف عند إنشائه باستاد ناصر، نسخة طبق الأصل من الملعب الشهير الذي استضاف الألعاب الأوليمبية عام ١٩٣٦.
يحظى ستاد ناصر -الذي خاصم السياسة وتصالح مع الجغرافيا ليصبح اسمه ستاد القاهرة- ببنية معمارية مهيبة، تبث في النفس شعورًا فريدًا بالضآلة أمامه، وقد تأكدت تلك الفرادة
حين دخلت ملاعب كثيرة فى مصر وخارجها، ولم يتكرر ذلك الشعور قط.
تعددت مرات ذهابي للستاد رفقة أبي لمشاهدة مباريات الأهلي، لكن ظل هناك أمران محظوران؛ الذهاب للاستاد وحدي، وحضور مباراة القمة بين الأهلي والزمالك، فأبي لا يحضر الديربي فى الاستاد. وكلما اقترحت عليه الفكرة، يرفضها بحزم "لا، لا، لا... أهلي وزمالك مستحيل… بهدلة وزحام، والدنيا ممكن تولع فى أي لحظة، لما تكبر ابقى روح براحتك".
خمنت سبب رفضه الشديد، حين حكى لي ذات مرة عن مباراة ١٩٧٢ الشهيرة بمباراة مروان كنفاني؛ حارس الأهلي
ستاد القاهرة النسخة طبق الأصل من الستاد الأوليمبي في برلين
وقتها، والمستشار السياسي لياسر عرفات فيما بعد، وشهدت أحداث شغب عنيفة انتهت ليس فقط بإلغاء المباراة بل الموسم الكروي ككل. قال أبي عن المباراة التي ربما كانت سببًا فى امتناعه عن حضور مباريات الديربي إلى الأبد "كل حاجة كانت ماشية عادي، لغاية لما مروان دخل برجله فى إبراهيم الدسوقي، وصفَّر الحكم ضربة جزاء، بعدها الدنيا قامت ماقعدتش".
الفيضان والثنائية
في أحد أيام صيف ١٩٩٦، نشرت صحيفة الأهرام بصدر صفحتها الأولى خبرًا يتحدث عن فيضان عارم لنهر النيل، وموجات هادرة من المياه أسفرت
عن امتلاء بحيرة ناصر -تسمية لم تتصالح بعد مع الجغرافيا- فاضطرت السلطات إلى فتح مفيض توشكى غرب البحيرة، لاستقبال المياه الزائدة، تخفيفًا للضغط على جسم السد العالي.
بجوار خبر الفيضان، نشرت صورة لأمير الموهوبين وليد صلاح الدين، محتفلاً بهدفه التاريخي بمرمى المنصورة في نهائي كأس مصر عام ١٩٩٦، مصحوبة بتعليق "الأهلي ينهي موسمه الكروي بنجاح محققًا ثنائية الدوري والكأس".
ما فات، لمحة بسيطة عن أجواء القاهرة صيف عام ١٩٩٦ التي لا تنسى.
فقد كانت تلك المباراة بداية رحلتي الشخصية مع ستاد القاهرة، وحدي
دون أبي. وها هو أهلي التسعينيات يحقق ثنائية الدوري والكأس للمرة الأولى منذ عام ١٩٨٥، فأعيش تلك اللحظة من الملعب، لا من خلال ملصق على باب بيتنا.
حتى النيل لم يتأخر؛ بل فاض بغزارة شديدة محققًا بدوره معدلات غير مسبوقة، معلنًا انتهاء موجة شديدة من الجفاف طيلة عقد الثمانينيات.
هل أحتاج للمزيد لأدلل على تساؤل: كيف نشفى من حب قاهرة التسعينيات؟
حسنًا.. في العام نفسه، أصدر محمد فؤاد ألبومه "حيران". تربطني بأهلي التسعينيات ذكريات شديدة الجمال،