بوعلام دحماني الشهير بتوني جاتليف

ما تبقى على الشاشة من المنفى والذاكرة

بوعلام دحماني الشهير بتوني جاتليف

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

 تستعيد نادية مفلاح لقاءاتها بالمخرج الجزائري الفرنسي بوعلام دحماني أو توني جاتليف. من السينما لمائدة جمعت المنفى بالحنين والذاكرة، وفنان جعل الموسيقى والحركة والرحيل لغة هوية وحرية

أتذكر بوعلام دحماني، المعروف باسم توني جاتليف.
بدأ الأمر بالسينما، عندما قبلت دعوتي لإدارة ندوة حول فيلمك "منفيون" Exils. وذلك في باريس، منذ ما يزيد قليلاً على عشرين عامًا، صباح يوم سبت، في قصر غريب على الطراز الشرقي في سينما لا باجود.
وقفت أمام جمهور مأخوذ بحضورك؛ متألقًا وشغوفًا وسخيًّا، ممتلكًا بصيرة شبه مأساوية؛ الصفة التي ربما يتشاركها جميع الجزائريين والجزائريات.
رغم تحفظك كنت متوهج الحضور، ولديك فضول لمعرفة من أنا.
ربما تحركت مشاعرك لرؤية امرأة من

أصل جزائري "كما يقال" في عالم السينما الفرنسية الغريب، تكرم أفلامك وصوتك وحضورك.
كان هناك رابط خفي بيننا، شيء لم يُقَل، لكنه موجود بلا شك. 
بعد الندوة، ذهبنا للغداء مع بعض أفراد فريقك وقلة من الضيوف. وتحدثنا بطبيعة الحال عن الطعام. فهو أحد الأشياء التي أحبها بجانب السينما. وأتذكر جيدًا نظرة عينيك في تلك اللحظة. كان فيها ألق غريب، رجاء يشبه رجاء طفل تقريبًا، ممزوج بحنين عميق يكاد يكون حزنًا.
ثم تلك الجملة التي أفلتت منك، مثل سرِّ نابض بالحنين: "آه، كم أشتاق لأكل

توني جاتليف مخرج وكاتب سيناريو وملحن وممثل ومنتج، ترك بصمة فنية مميزة في عالم السينما، بعيدًا عن مألوف السينما الفرنسية

الكسكسي". ثم جاء لقاؤنا الثاني بفعل ذلك "الرابط الخفي"؛ الكسكسي، الذي يجمع حيوات جميع المنفيين. ذلك الحنين الذي لا يعدو كونه تجربة حسية لرغبة عصية على التحقق..
كنت قد جمعت بعض أصدقاء من عالم السينما؛ مخرجة أوروجوايانية، وصديقة ناقدة تكتب لصحيفة لوموند، وبعض الفنانين التشكيليين.
جمع صغير من أصدقاء ومخرجين وفنانين، وأنت بيننا. وأتذكر المائدة الخشبية الطويلة، والحوارات المتداخلة، وأتذكرك بحضورك الطاغي والبسيط في الوقت نفسه. وأسترجع ضحكك، وطريقتك في سرد القصص، وصمتك

كذلك. وقدرتك على الانتقال من الخفة إلى الجدية في لحظة. كنتَ هناك وكأنك تعرف المكان من قبل، وكأن شيئًا ما في تلك المائدة، أو ذلك المطبخ، أو المرأة الجزائرية التي دعتك، يعيدك إلى مكان آخر. ربما ذلك هو الرابط الخفي بيننا؛ شيء يتدفق عبر السينما لكنه ينبع من مكان أعمق. 
يا عزيزي بوعلام، يا عزيزي توني، يا جزائريًّا، يا غجريًّا، يا ابن العالمَين، يا أيها الرجل والحبيب والصديق، يا عزيزي المخرج السينمائي الغالي والممثل الاستثنائي، نحن نفتقدك.
نفتقد أفلامك، ونفتقد القصص التي أتقنت سردها ببراعة لا تضاهى، ونفتقد

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

في الجزائر العاصمة- سبتمبر ١٩٤٨ولد بوعلام دحماني، قبل أن يصير توني جاتليف

الطريقة التي بعثتَ بها الحياة في الشخصيات، من منفيين وغرباء وعشاق، وأطفال، وكل من يتجاهلهم العالم. كما أننا أيضًا نفتقدك بكل بساطة، نفتقد صوتك وضحكتك ونوبات غضبك العابرة وكرمك وصمتك؛ والحضور الفريد الذي لا يملكه غيرك.
اعلم، مع ذلك، أننا لن ننساك.
أنت هنا، معنا في ذكرياتنا وفي أحاديثنا وفي الصور التي تركتها خلفك، وفي حياة كل من لامستهم أفلامك. سنواصل الحديث عنك، وعرض أفلامك، ومشاركة كلماتك. وسنستمر في تكريمك، لأن هناك حضورًا لا يزول ولا يمحى. أنت معنا يا توني، وستظل دائمًا.

من هو بوعلام دحماني المعروف باسم توني جاتليف؟
توفي المخرج السينمائي بوعلام دحماني، المعروف باسم توني جاتليف، في ٢ سبتمبر ٢٠٢٦، عن عمر يناهز ٧٧ عامًا، في مدينة آرل، بمقاطعة بوش دو رون، إثر وعكة صحية في أثناء عمله على مشروع فيلم تاريخي.
كان توني جاتليف مخرجًا وكاتب سيناريو وملحنًا وممثلاً ومنتجًا، ترك بصمة فنية مميزة في عالم السينما، بعيدًا عن المألوف في السينما الفرنسية، وإرثًا حرًا عميقًا وصادقًا وإنسانيًّا.
بداية من فيلم "رحلة آمنة" Latcho Drom، إلى "الغريب المجنون" Gadjo

اقرأ أيضاً

لماذا لا نعرف منيرة ثابت؟

لماذا لا نعرف منيرة ثابت؟

الرجل الذي ترك الشوارع وحيدة

الرجل الذي ترك الشوارع وحيدة

هاني شكر الله: الخروج من المخزن

هاني شكر الله: الخروج من المخزن

هاني شكر الله: صانع الفجوات

هاني شكر الله: صانع الفجوات

محمود مرسي خجول وديكتاتور ودون كيشوت

محمود مرسي خجول وديكتاتور ودون كيشوت

صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات 

صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات