هل تحب الفقراء في الأفلام؟

سيرك مخبول على هامش الزمن والمدينة

هل تحب الفقراء في الأفلام؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

البشر في فيلم عمر الزهيري هم بشر نسيهم الله، والفيلم نفسه لم يسلم من اللعنة والدعوات لإخفائه مثلما يرغبون في إخفاء أبطاله!

مع تتر نهاية فيلم عمر الزهيري "ريش" الحائز على الجائزة الكبرى في مهرجان كان في أسبوع النقاد، يجتاحك فيض جارف من مشاعر متناقضة ومربكة؛ فالفيلم مليء بالحيل والفخاخ العقلية، ينقلك من حالة الضحك الخافت إلى السكون ثم الصدمة ثم الاندهاش، في حركة دائرية، فما إن تستغرق في الضحك على مشهد عبثي لقرد يقفز ليلتصق بزجاح سيارة مهرب يغني بصوت قبيح وهو يلاحق ساحرًا وهميًّا حوَّل رجل إلى فرخة، حتى تصطدم بمشهد آخر غارق في القسوة.
ربما لو مشيت وراء خيط القصة الرئيسي ستتعاطف مع البطلة الرئيسية

التي تمسك بزمام الحبكة من أول الفيلم حتى نهايته الصادمة، لكن مهلاً، لا أعتقد بأي حال أن الزهيري وهو يصنع فيلمه كان يريدك أن تشاهد حدوتة قهر تقليدية عن بشر مهمشين سحقتهم الظروف وفرمتهم آلة العمل وداسهم وحش البيروقراطية الخرافي. دعنا من الحبكة أو القصة أو الحدوتة، فالأمر هنا ليس متعلقًا بالأحداث رغم تسارع الإيقاع وعدم سقوط الفيلم في منزلق البطء أو الترهل. المخرج صنع عالمه شديد الخصوصية مزج فيه ما بين الجدية والتجهم والعبث والسخرية بطعم الخل.. إن بشر عمر الزهيري هم بشر نسيهم الله..

تفرض خلطة الفيلم أسلوبية جديدة هي خلاصة خبرات مختلفة وعوالم متعددة لا تتعالى عن المنتج الفني المصري في كل تجلياته؛ حتى مسرح القطاع الخاص الساخر.. 

كأنهم جوقة ممثلين رُحل يجوبون البلاد غارقين في ثياب رثة، جلدهم تغضن بفعل أحافير الزمن، ثيابهم مبهرجة غير متناسقة باهتة الألوان كأنها مستعملة تباع على الأرصفة تحت الكباري.
قديمًا وصف زولا في روايته "جرمينال" المنجم الذي يعمل فيه العمال كأنه أخطبوط يمد أذرعه العملاقة يمتص دم الفقراء ويرسله في أنابيب إلى الشركة في المدينة لتنتعش إيرادتها، أما في حالة عمر فالمصنع يتموضع في خلفية الأحداث كأنه تنين خرافي عجوز، منهك قبيح الملامح ينفث من منخاره دخانًا سامًا مترعًا بالرصاص يتسرب إلى داخل منزل الأسرة فيسمم الجو ويعمق ملامح

الإرهاق والشحوب البادية على الوجوه المتعبة، عبر مشاهد ملونة بعناية شديدة يسيطر عليها الأصفر، لون التراب والغبار والفقر، احتفظت الكادرات بخصوصية لونية مبهرجة ومتنافرة وإن علاها التراب، في الانتقال من مشاهد الاحتفال ثم مشاهد بحث مضن مرورًا بمشاهد محاولات الإيقاع بالمرأة ورحلة البحث عن حل لأزمة الزوج، ثم البحث عن عمل، يستعرض الفيلم أماكن شديدة الواقعية، ولكنها شديدة الغرائبية في الوقت نفسه، ربما وجدت في مكان ما أو زمان ما لكنها مبعثرة في الذاكرة فأعاد الفيلم تشييدها كي يجد المشاهد صعوبة في استدعاء

 أفيش فيلم ريش..

أفيش فيلم ريش..

عوالم مشابهة مكتملة من ذاكرته. وضع الفيلم قواعده لعب جديدة ربما شاهدنا أجواء شبيهة لها في أفلام المخرجين روي أندرسون أو أكي كياروزماكي مع إضافة صبغة شديدة المحلية في "ريش".
مصحة مفتوحة

الخلطة التي صنع منها الفيلم تفرض أسلوبية جديدة هي خلاصة خبرات مختلفة وعوالم متعددة لا تتعالى عن المنتج الفني المصري في كل تجلياته؛ حتى مسرح القطاع الخاص الساخر أو برامج الكاميرا الخفية، أو الفنون البسيطة كالساحر والسيرك والأراجوز. الكاركترات والوجوه والأماكن كلها تشبه

أماكن قابعة في الذاكرة لكن لها شكلها الخاص. والسيارات تنتمي لحقبة زمانية معينة، لكنك كمشاهد تعجز عن الإمساك بخيط الزمن، فالزمن في ذهن الزهيري وحده، والمؤدون من اختياره، معظمهم لم يسبق لهم أن مثلوا أو ظهروا أمام كاميرا من قبل، اختارهم بروح صاحب سيرك جوال أو مدير جوقة مسرحية تؤدي عروضًا في الشوارع، أو فنان مخبول يملك عربة شعبية مزينة بلمبات إضاءة نصفها معطوب والنصف الآخر تتراقص إضاءته، يمسك عصا عاجية يصرخ في الجمهور، يضحكه، يسخر منه، يفرقع بعصاه في الهواء فتخرج جوقته من العربة تؤدي

مشاهد تثير السخرية، لكنها تثير الهلع والحزن والتقزز، كأنك بصريًّا دخلت عالم المخرج البولندي هاس في فيلم "مصحة الساعة الزجاجية". ويفاجئك الزهيري عندما تعرف أنه اختار بعضًا من ممثليه الذين ظهروا في لقطات خاطفة من رؤيتهم في الشارع مصادفة، وذلك لكي تكتمل صورة عالم شيده في خياله وأخرجه على الشاشة بقواعده.
تسلح "ريش" بالعبث ليرسم واقعًا حياتيًّا مزريًا، وهو لا يمجد الفقر ولا يرى فيه جماليات بل يحتقره ويبصق عليه. ورغم أن التداعي المهيمن على روح الفيلم شيِّد بدقة، حتى إنك قد تضبط نفسك متلبسًا بالإعجاب

شخوص الفيلم تذكرك بجملة أتت على لسان إحدى شخصيات قصص ألبير قصيري "إن أنوار ما يسمى بالحضارة قد أعمتنا وحولتنا لمجموعة من العميان يتخبطون"

بجماليات التداعي، فإنه لا ينحاز للقبح بل يجسد الفقر والقهر بسوريالية شديدة الدراما ثرية بصريًّا بشكل صادم وغاطس حتى أذنيه في قار السخرية اللزج. بعد مشاهدتك للفيلم لا ريب أنك ستحاول لا إراديًّا أن تنفض عن ثيابك غبار دخان المصانع الذي أعمى أبطال الفيلم، أو تمسح عن شفتيك السائل الأبيض الذي انساب من الزوج الذي أفقده الساحر في ليلة عبثية آدميته، وحوَّله إلى فرخة ثم تمثالاً بلا حراك.
هل كان موقع الأحداث التي جرت على هامش المدينة؟ هل المكان يشبه أحزمة تطوق مدننا الخانقة؟

نعم بالتأكيد، وبلا شك توجد أماكن أكثر بؤسًا وبشاعة وانحطاطًا من التي ظهرت في ريش، لكنها هنا كانت أكثر وضوحًا، إذ ضرب فيها الزهيري فرشاة ألوانه فوق واقع علاه التراب.
شخوص الفيلم كائنات ميكانيكية حوَّلتهم الآلة الرأسمالية لروبوتات خربة تذكرك بجملة أتت على لسان إحدى شخصيات قصص "بشر نسيهم الله" لألبير قصيري "إن أنوار ما يسمى بالحضارة قد أعمتنا وحولتنا لمجموعة من العميان يتخبطون".
ربما عمل مخرج ريش فترة طويلة في عالم الإعلانات جعله يتفرس كثيرًا في الوجوه ويدقق فيها ويتعامل معها

كمهووس بجمع التحف واللوحات والقطع الفنية، لذلك عندما بدأ مشروعه السينمائي الطويل الأول كان عليه أن يرتحل لقرى وصعيد مصر ويبحث عن ممثلين أغلبهم لم يسبق له أن وقف أمام الكاميرا. أراد وجوهًا تصلح للعب بقواعده الخاصة، موجودة في خياله، ولم يسبق لأحد أن شاهدها قبلاً وهنا كانت البراعة والحذق، وكان خلطة مزجت بين العبث والدراما، أو  جعلت العبث واقعًا ممكنًا، كما علق ناقد مرموق، وأزيد عليه أن الفيلم شريط سوريالي عمق مرارة الحقيقة.
نافورة بلاستيك شيك
حافظت الشخصية الرئيسية طول

هنا يكتمل الموازييك لسلطة يمارسها بشر متداعون في أماكن علاها الصدأ، ومكاتب نخرها السوس وأوراق حكومية بالية أطرافها متآكلة، يسيطر الأصفر عليها

الفيلم على جمود ملامحها التي تشي ببؤس غائر كبئر لا قرار له.. الزوج متسلط بخيل شحيح منسحق أمام رئيسه يحاول ممارسة سلطة عبثية بلا عقل، وفي أحد أكثر المشاهد عبثًا وتفجيرًا للضحك يشترى نافورة بلاستيكية عجيبة الشكل يضعها وسط بيته البائس الجدب ويكرر جملة "بتدي شكل جميل وفي نفس الوقت شيك" بينما يعيش زوجته وأطفاله في فقر مدقع، لكنه اهتم أن تكون عنده نافورة بتدي شكل للمكان وفي نفس الوقت شيك. وبعد أن يتحول الزوج لفرخة بفعل خطأ من ساحر محلي غريب، تُجبَر الزوجة على رحلة قاسية تحاول


فيها تعويض غياب الأب.. هذه الأوديسا البائسة لامرأة لا تحمل اسمًا، بل وجهًا يحمل بؤس الكون وهي تنتقل من مكان لآخر تجابه ثقبًا وفراغًا تركه الزوج بعد أن مُسخ لطائر، تلتقي رجالاً عابثين يشبهون مهرجي السيرك، يلعبون البلياردو ويثرثرون ويتحرشون ويغنون بصوت قبيح أو يجلسون يحدقون في الفراغ بلا مبالاة. تنظف أرضيات بيوت قاسية، وتُطرد، ويقول لها رجل لا نلمح وجهه بوضوح بصوت معدني وإلقاء مفتعل "حركة غبية جدًا جدًا.. ملفك حيتبعت للبوليس ومش حتشتغلي في بيوت محترمة تاني". وتذهب في مشهد

مرعب لا يبارح الذاكرة لتعالج الفرخة بمستشفى بيطري مهجور أشبه بمشرحة تُقطع فيها جثث الموتى وتلقى للجوارح. يستكمل الزهيري سخريته المريرة وجلده لبيروقراطية جوفاء بدأها في فيلمه القصير السابق "افتتاح الحمام" (ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو ٣٧٥) حيث لا ترحم مقصلة البيروقراطية أحدًا، وبدم بارد يتخلى زملاء العمل عن زميلهم الذي تحول لفرخة كي يثبت أنه هو الفرخة، أو أن هناك أي علاقة تربطه بكائن مسخه الساحر الفاشل. هنا يكتمل الموازييك لسلطة يمارسها بشر متداعون في أماكن علاها الصدأ، ومكاتب نخرها

لا مكان هنا لتمجيد الفقر، ولا الاحتفاء بشظف العيش، بل تدفع دفعًا لكراهية الظلم والتسلط والبيروقراطية والبؤس والتلوث المحيط بالمدينة..

السوس وأوراق حكومية بالية أطرافها متآكلة، يسيطر الأصفر عليها، كأن الزمن بال عليها. ولا ينسى الزهيري أن يضع عليها شعارات تفجر السخرية أكثر كشعار الطاقة الذرية.
أن تأكل البيج ماك في كشك صدئ قريب من شريط قطار أو يقفز قرد على زجاج سيارتك، أو يشعل رجل فجأة النار في نفسه، مشاهد تقفز من خلفك، ومن أمامك وتباغتك طول الفيلم الذي استعان الزهيري فيه بشريط صوت قد يبدو للوهلة الأولى متنافرًا مع المكان والزمان والحدث.. لكن الحقيقة أنه يعمق الدراما العبثية لهؤلاء البشر الذي نسيهم الله. فمن الصعب أن تنسى

 من فيلم ريش.. تصميمات مدينة!

من فيلم ريش.. تصميمات مدينة!

موسيقى عمر خورشيد التي تعزف في فضاء موحش محيط بالمصنع، أو جورج وسوف وهو يغني أغنية نجاة الصغيرة في قهوة يرتادها مسنون أشبه بالموتى، أو محب ولهان استغل غياب صديقه ليغازل زوجته المكلومة بصوت أجش خشن، ويغني لها أغنية على وش القمر على صوت القمر على كل الشجر حكتبلك يا حبيبي، هكتبلك ع الشوارع وع الفجر اللي راجع. وموسيقى حكايتي مع الزمان بنفس مختلف تصاحب رحلة البطلة وتعطي لها بُعدًا ملحميًّا شعبيًّا.
فقر غريب يخنق العالم وبيروقراطية تقبع فوق أنفاسنا كمؤخرة قرد سمين،

 من فيلم ريش تصميمات مدينة!

من فيلم ريش تصميمات مدينة!

 فلا مكان هنا لتمجيد الفقر، ولا الاحتفاء بشظف العيش، وإنما دفعك دفعًا لكراهية الظلم والتسلط والبيروقراطية والبؤس والتلوث الذي يحيط بالمدينة في فرجة بصرية وقصة تمزج ما بين الجدية والعبث أو لنسميها مجازًا "ميلانكوليا عبثية شديدة الجدية تفجر الضحك وتثير الأسى وتلطم المشاهد على وجهه".

اقرأ أيضاً

داود عبدالسيد بين الأرض و السماء

داود عبدالسيد بين الأرض و السماء

جمال المرأة: مصدر القمع أم القوة؟

جمال المرأة: مصدر القمع أم القوة؟

فصل من رواية التاسوع الكامل

فصل من رواية التاسوع الكامل

كونج فو.. لشوارع القاهرة

كونج فو.. لشوارع القاهرة

الألفة التي في محلات السجائر

الألفة التي في محلات السجائر

نجيب محفوظ على مسرح "شفاعات"

نجيب محفوظ على مسرح "شفاعات"